حيدر حب الله
45
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
عصر التدوين ومرحلة التكوّن النظري يجب - بداية - أن نعرف أن نشوء علم ما لا يعني تاريخيا الشروع في تدوينه ، فمرحلة النشوء تسبق عادة مرحلة التدوين ، لكن التدوين يمثّل الواقع الحقيقي لنشوء ذلك العلم نشوءا نظريا ، أي تكوّن نظريّاته في الوعي وإدراكها ، لا مجرّد ممارستها أو كمونها في اللاوعي ، إنّ ما قلناه سابقا عن ظاهرة الاجتهاد عصر النص ، يعني أن هذه الظاهرة كانت موجودة ، تمارس في الذهن الجماعي ، لكن ذلك - كما أشرنا - لا يعني التكوّن النظري لهذه الممارسة في عالم التدوين والمصنّفات ، وهذا معناه أن تأخّر ظهور التصانيف ليس دليلا حاسما على تأخر ظهور العلم . وعلى أيّة حال ، فقد اتّضح معنا ، أنّ العلوم العقلية في المدرسة الشيعية اعتمدت على العقل إلى جانب النص ، وكان من الطبيعي أن يمارس العقل فيها دوره فيكوّن النظريّات ويصنّفها ، ثم يسكبها في قوالب التدوين ، لقد كان بإمكان العقل أن ينتج بنفسه معطيات ، فقد كان مجبورا على ذلك لكي يخرج منتصرا من معركة الجدل الكلامي ، كان إنتاج النظريّات فرصة كبيرة لتدوين معطيات بشريّة في علم الكلام ، أما العلوم النقلية كالفقه وأمثاله فلم تكن قد تبلورت بعد أو خرجت من رحم علم الحديث ، كما أشرنا ، وكان معنى هذا أنّ الفعل العقلي الواعي لذاته كان متراجعا لصالح وعي النصّ نفسه في دوائر النقليّات ، كان تدوين النص هو الذي يملك الأولويّة ، لأنّ علوما كالفقه كانت تقوم - بالدرجة الأولى - على النص ، سيما في المدرسة الشيعية التي حاربت القياس الحنفي كما حاربت الاستحسان والرأي ، ولهذا ظلّ دور العقل في الفقه الشيعي متأخّرا عن دور الكتاب والسنة حتّى عصر ابن إدريس الحلّي ( 598 ه ) ، إذ يصرّح بذلك أكثر من نصّ هام ، من مطلع « التذكرة بأصول الفقه » للشيخ المفيد ( 413 ه ) « 1 » ، وحتى مقدّمة السرائر لابن إدريس الحلّي ( 598 ه ) « 2 » ، كانت المرجعيّة المطلقة للنص تبدّد الحاجات إلى العقل ، فكان من الطبيعي أن تتركّز الجهود على النص تدوينا وتصنيفا ، لعدم وجود نتاج عقلي منفصل هام يستحقّ التدوين . من هنا ، تأخّر تدوين علم أصول الفقه عند الشيعة عن علم الكلام فترة ، إذ يرى بعضهم كالسيد حسن الصدر صاحب « تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام » وغيره ، أنّ أقدم
--> ( 1 ) - الشيخ المفيد ، التذكرة بأصول الفقه : 28 ، حيث جعل العقل كاشفا للكتاب والسنّة لا مصدرا للاجتهاد . ( 2 ) - ابن إدريس الحلّي ، السرائر 1 : 46 ، حيث أقرّ بالعقل مصدرا في الاجتهاد عند فقدان دليل الكتاب والسنّة والإجماع معا ؛ وانظر حول تطوّر مفهوم العقل ودوره في الاجتهاد الشيعي ، محمد تقي كرمي ، العقل في الفقه الشيعي ، الماهية والوظائف ، مجلّة المنهاج ، العدد 28 : 210 - 216 .